فخر الدين الاسفرايني النيشابوري
489
شرح كتاب النجاة لابن سينا ( قسم الالهيات )
الأصل الخامس : أنّه قد تبيّن للقوّة المدركة كمالها الذي هو ملائم لها ، لكن يكون هناك شاغل للنفس ومانع ، فحينئذ يكرهه ويؤثّر ضدّه عليه ، مثل كراهة بعض المرضى للحلو وشهوتهم للطعوم الرديئة الكريهة ، كمن تولّد في معدته خلط رديء فإنّه يستلذّ أكل الطين والفحم والجصّ والأشياء الّتي تنفّر عنه الطباع والأمزجة الصحيحة . وربّما لم تكن كراهته ، لكن كان عدم الاستلذاذ مثل الخائف الذي يكون مع لذّة ، فإنّه لا يدركها « 1 » الشاغل الخوف ، ولا يستلذّ بها . وأيضا قد تكون القوّة الداركة ممنوّة بضدّ ما هو كمالها ولا يحسّ به ولا ينفرّ عنه ؛ لأنّ شاغلا يشغلها عن ذلك ، فإذا زال الشاغل والعائق رجعت إلى غريزتها وأدركت ألمها ، كالممرور الذي لا يحسّ بمرارة فمه لغلبة المرارة على مزاجه ، فإذا صلح مزاجه وبقيت أعضاؤه أدرك « 2 » مرارة الفم ، وكالخدر فإنّه إذا مسّته النار لا يشعر به ، فإذا زال الخدر شعر بالبلاء العظيم ، وكذلك قد لا يشتهي المريض الغذاء وهو أوفق شيء له ويمتنع عنه مدة طويلة ، فإذا زال المرض رجع إلى واجبه في طبعه فاشتدّ جوعه وشهوته للغذاء حتّى لا يصبر عنه ويهلك عند « 3 » فقدانه . وإذا تمهّدت هذه الأصول فنقول : إنّ النفس الناطقة كمالها الخاصّ لها أن يصير عالما عقليا مرتسما فيها « 4 » صور الحقائق كلّها على الترتيب
--> ( 1 ) . ف : لا يدركه ( 2 ) . ف : أدركت ( 3 ) . ف : - عند ( 4 ) . ش : - فيها